الشيخ محمد رشيد رضا

327

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الوطن الذي يعيش فيه المرء ، وكون المرء مالكا لها ومتصرفا فيها ، ولا مشاحة في أن الأهم عند كل إنسان أن يكون مالكا لما يعيش به ويتلوه أن يكون ذلك في وطنه ويتلوه أنواعه وأن تكون كثيرة وهو ما أفاده تركيب الكلمات في الآية . ولا تجد هذه الدقة في تقديم ما ينبغي وتأخير ما ينبغي مطردة الا في كتاب اللّه تعالى ولما كانت هذه المعايش أنواعا كثيرة من نبات شتى وأنعام وطير وسمك ومياه صافية وأشربة مختلفة الطعوم والروائح وغير ذلك - وكانت بذلك - تقتضي شكرا كثيرا - وكان الشكور من العباد قليلا ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) قال تعالى عقب الامتنان بها قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي شكرا قليلا تشكرون هذه النعم لا كثيرا يناسب كثرتها وحسنها وكثرة الانتفاع بها . وشكر النعمة للمنعم يكون أولا بمعرفتها له والاعتراف بأنه هو مسديها والمنعم بها - وثانيا بالحمد له والثناء عليه بها - وثالثا بالتصرف بها فيما يحبه ويرضيه وهو ما أسداها لأجله من حكمة ورحمة . وهو هنا حفظ حياتنا البدنية أفرادا وجماعات خاصة وعامة والاستعانة بذلك على حفظ حياتنا ، الروحية التي تكمل بها الفطرة بتزكية الأنفس وتأهيلها لحياة الآخرة الأبدية ، وسيأتي في هذا السياق بيان لأصول ذلك في قوله تعالى ( 29 يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ . . . ) الخ وفي الآية من المباحث اللفظية اءة نافع في رواية عنه معائش بالهمز ، وغلطه سيبويه ومن تبعه لان القاعدة عندهم أنه لا يهمز بعد ألف الجمع الا الياء الزائدة في المفرد كصحيفة وصحائف ، وياء معيشة أصلية فيجب عندهم أن تثبت في الجمع كما اتفقت عليه الاءات السبع المتواترة ، وهذه الرواية عن نافع غير متواترة ولذلك عدوها خطأ منه . والصواب أنه رواها وهو أجل من أن يفتجرها افتجارا . وفي المصباح قول أنها من معش لا من عاش فالياء زائدة وجمعها معائش قال : وبه أأبو جعفر المدني والأعرج ، أي في الشواذ وألحقها المفسرون وبعض اللغويين بما سمع عن العرب من أمثالها كمصائب ومعائب ، وقالوا إنه من تشبيه مفاعل بفعائل . ونقول إن العرب لا حجر عليهم بما وضعه غيرهم لكلامهم من القواعد المبنية على الاستاء الناقص ، والآن أعلى من كل كلام فأولى أن لا ينكر منه شيء صحت الرواية به لغة عند من رواها وان لم يثبت كونها آنا الا بالتواتر